أهم درس تعلمته خلال 7500 يومًا من حياتي

منذ ثلاثة أعوام مضت، وحين كنت أسير في شوارع وسط القاهرة، أوقفني شخص في منتصف طريقي. كان يرتدي بدلة وقميص ناصع البياض، تقريبًا مثل هذا الشخص

شعرت وكأنه ذاهب أو قادم من حفلة أو فرح أو شئ كهذا. أوقفني وقال لي بأسلوب مهذب: لو سمحت، استمع لي قليلًا، لقد كنت في فرح (عرس) أحد أقاربي منذ دقائق، بعد أن انتهى الفرح وخرجت، وضعت يدي في جيبي فلم أجد محفظتي ولا حتى هاتفي، لا أعلم إن كان قد سُرق أو وقع منّي. عدت إلى القاعة فلم أجد أي شئ. الآن، أنا عالق في الطريق ولا أعلم كيف أعود لمنزلي ولا أملك أي أموال. هل يمكنك إعطائي مبلغ بسيط حتى أتمكن من العودة إلى منزلي؟”

طلبات إنسانية كهذه صعب أن تُرفض. لقد فكرت: لو كنت مكان هذا الشخص لشعرت بكسرة النفس؛ أن أكون مقتدرًا ماديًا طيلة حياتي ثم أمد يدى لشخص غريب وكأني شحاذًا أو متسولًا..ما أصعب هكذا شعور!

وضعت يدي في جيبي وأعطيت له بعض الأموال، كانت أكثر بعض الشئ مما لو كنت سأعطي شحاذًا. في الواقع، خجلتُ من أن أعطي له مبلغ بسيط وأُشعره كأنه قليل القيمة (وفي النهاية، ما ذنبه في موقف كهذا؟)

عمومًا، عدت إلى المنزل وأنا شاعِر بشعورٍ جيد. بعد أيام، كنت أتصفح إحدى مجموعات الفيسبوك في منشور عن أساليب الشحاذة التي يستخدمها البعض، وفوجئت أن أسلوب الشحاذة هذا منتشر في وسط القاهرة: شخص بملابس نظيفة وبأسلوب محترم يسرد نفس القصة حتى يقنعك بإعطائه أموال. لقد تكرر هذا الأمر عدة مرات مع عدة أشخاص في أيام مختلفة وفي نفس المكان.

لقد كان شحاذًا، ولكنه خدعني! لقد نظرت لمظهره، أسلوبه وطريقة كلامه وقلت أنه يستحيل أن يكون شحاذًا.

ما الدرس هنا يا ترى؟

إن كنت حكيمًا بما يكفي، ستقول أن الدرس هو ألا تنخدع بمظاهر الأمور، وألا تحكم على أساسها؛ لأن المظاهر خداعة. ولكن هل سيكون درسًا واقعيًا؟ لا، لن يكون؛ فالبشر لا يمكنهم النظر لنواياك وما تحمل بداخلك، بل أن ما يستطيعون الوصول إليه هو الظاهر.

أنظر لنفسك، هل تستطيع النظر لبواطن الناس؟ إن كنت تستطيع، فمن فضلك علمني!

وإنما نحن في أغلب مواقف الحياة نحكم من الظاهر أولًا، أما الوصول للباطن فيستغرق وقتًا، وفي الواقع، لا أحد متفرغ ليجمع تحريات عن كل شخص وكل شئ يراه.

من تجاربي البسيطة، أجد أغلب الناس لديهم معتقد أن الخارج يعكس ما بالداخل، وبالتالي إن كان هذا الشخص أو الشئ يبدو جيدًا أو صادقًا فهو غالبًا كذلك في داخله، والعكس بالعكس.

ما الدرس هنا إذن؟

اهتم بظواهر الأمور، هذا هو الدرس. إن كانت لدي ذاكرة حديدية، يمكنني حصر عشرات المواقف التي ظُلمت فيها لأنني لم أهتم بظواهر الأمور بما يكفي.

عادةً ما لا يتحدث الكثير من الكُتّاب والفلاسفة عن أهمية ظواهر الأمور في كتبهم، وغالبًا ما لا يهتم القراء بهذا الأمر، ذلك أن القراءة والكتابة ترتبط دائمًا بالثقافة والمعرفة والحكمة، ولكي أكون مثقفًا وعارفًا وحكيمًا، فذلك يتطلب منّي التحدث عن الداخل والباطن والجوهر والعمق، أما لو تحدثت عن ظواهر الأمور لبدوّت سطحيًا.

ظواهر الأمور لا تقتصر على الملابس كما في المثال أعلاه، بل أي شئ تُظهره بشكل عام. هنا عدة أمثلة وتطبيقات تثبت أهمية الاهتمام بالظواهر (أو بطريقة أخرى: بالخارج..بالإظهار). دون مبالغة، أرى أن الاهتمام بتلك الأمور سيجعلنا نحصل على ما نستحق، وأحيانًا أكثر.

الجانب الاجتماعي

ثمة دراسة شهيرة أُجراها ألبرت ماجربيان في سبعينات القرن الماضي لغرض معرفة كيف نحكم على مَن أمامنا ونفهمه، وكانت النتيجة أن 93% من فهمنا لمَن أمامنا يعتمد على لغة الجسد ونبرة الصوت، أما مضمون الكلام نفسه لا يتخطى تأثيره سبعة بالمائة. هذا يعني أنك لو كنت تقول لشخص “مرحبًا، سعيد بوجودك” في حين وجهك عابس فإنه لن يأخذ بمضمون كلامك وسيهتم بكيف تبدو وأنت تحدثه: “هل يود أن يطردني؟”

في الواقع، العديد من الدراسات في علم النفس تؤكد ذلك فيما يتعلق بفنون الاقناع، وأغلبها -إن لم يكن جميعها- يخلص الى أن أهمية الظاهر (لغة الجسد، نبرة الصوت) أهم من مضمون الكلام نفسه. مما يعني أنك إن كنت في نقاش أو مناظرة مع شخص ما وجمعت له كافة الحجج المقنعة لإثبات وجهة نظرك، في حين كان الآخر حجته ضعيفة ولكن لديه ثقة ومهارات تواصل ولغة جسد ونبرة صوت مقنعة، فإنك ستبدو أمام الجميع على أنك الشخص ضعيف الحجة، وسيبدو الآخر على أنه أفحمك!

هذا أيضًا يعني أنك لو كنت في مقابلة عمل ولديك كافة المهارات التقنية المطلوبة ولكن تبدو لغة جسدك ونبرة صوتك ضعيفة، فالأرجح أنك ستبدو كالبليد، وسيأخذ شخص آخر مكانك الذي كنت تستحقه.

تلك الأمور تظهر أكثر عند أشخاص تعرفهم جيدًا: المتحدثون التحفيزيون ومدربي التنمية البشرية. هؤلاء الذين يقولون كلامًا يبدو بديهيًا جدًا -وأحيانًا ساذجًا- بالنسبة لأغلبنا، إلا أن أسلوب تحدثهم (وليس مضمون الكلام) هو ما جعل الكثير من الناس يرونه كلامًا رائعًا.

ربما هناك العديد من الأمثلة الأخرى حول خطورة أن تضع كافة تركيزك على المضمون وتُهمل الظاهر، ولكن أرى الأمثلة أعلاه كافية. ولا أقصد هنا ألا تهتم بعقلك وفكرك..إلخ، ولكن فقط تذكر أن هذا في حياتك الاجتماعية لا قيمة له ما لم تستطع التعبير عنه بطريقة مناسبة وواضحة وسليمة.

الناحية الدراسية

في مارس الماضي، كان لدي امتحان شفهي في الجامعة، وأنا لا خبرة لي في الامتحانات الشفهية تحديدًا، مما جعلني أدرس تلك المادة حتى أتقنها بأقصى ما يمكن، ولن أكون مخطئًا لو قُلت أن معرفتي بتلك المادة كانت أكثر من أغلب زملائي. جاء وقت الامتحان وكان حظي السئ أن سألتني الدكتورة (استاذة المادة) سؤالًا من آخر صفحة في المقرر وهو ما لم أهتم به ولم يهتم به أحد. بعد أن سألتني، وقفتُ لأفكر قليلًا ولكن لم أعرف الإجابة، فقلت بكل صدق: لا أعرف. سألَت نفس السؤال وأسئلة مشابهة لزملائي وكانوا لا يعرفون أيضًا، ولكن ما فعلوه هو أنهم أجابوا إجابات خاطئة أو غير دقيقة بكل ثقة، أي أنهم أجابوا على أسئلة شبيهة أو متعلقة بنفس السؤال التي سألته الدكتورة.

والنتيجة؟ حصل زملائي على درجات أعلى منّي بكثير في تلك المادة. ليست مفاجأة أليس كذلك؟

الواقع أن جميعنا لم نكن نعرف الاجابة، إلا أن مَن أجابوا -ولو خطأ- أظهروا للمُمتحن أنهم على الأقل يحاولون الإجابة وأنهم يعرفون بعض المعلومات في المنهج، أما أنا فبدوت لا أفهم شيئًا. كان هذا يكفي لأحصل على أسوأ درجة منذ دخولي الجامعة. وقعت في هذا الفخ مرتين العام الماضي، إلا أنني تفاديته هذا العام، فقد أصبحت أهتم أكثر بأن “أبدو” أنني فعلًا أعرف شيئًا في المقرر.

الأمر نفسه في الامتحانات النظرية المقالية. في المرحلة قبل الجامعية، كنت أتساءل عن السبب الذي يجعل معلم اللغة العربية يعطي أحد الطلاب أعلى درجة في سؤال الإنشاء (موضوع التعبير) في حين يعطي آخرين أقل، رغم أن مضمون اجابة المجموعة الثانية قد يكون أفضل. وكان الأمر الذي لاحظته في النهاية أن الشئ المشترك لدى من يحصلون على أعلى درجة هو أن “خطهم جميل” كما أنهم يراعون تنسيق الفقرات والصفحة وما شابه، وهذا ما يعطي المُصحح شعورًا بالراحة أثناء قراءة الإجابة فيُقيمها على أنها أفضل. الأمر نفسه في أغلب الامتحانات المقالية.

هذا هو تأثير الاهتمام بالظواهر في الدراسة، وهو أحيانًا لا يقل أهمية عن مضمون الإجابة (خاصةً في الشفهي كما ذكرت آنفًا).

الناحية المهنية وحيلة التسويق بالمحتوى والعلامة التجارية الشخصية

قرأت منذ أيام تجربة أستاذ عيسى صاحب مدونة توتومينا حول كيف ساعده التدوين على العمل في شركة حسوب. بعد أن أجرى مقابلة العمل مع الأغا صاحب الشركة، وجد الأغا أنه ليس مناسبًا لشغل الوظيفة لعدم امتلاكه إحدى المهارات التقنية المطلوبة، إلا أنه بعد أن قرأ قليلًا في مدونة توتومينا فقال: “امم، يبدو أن لديه خبرة جيدة بالمجال، لنعطِه فرصة أخرى”..حتى عمل في الشركة أخيرًا. يقول عيسى في تدوينته:

عندما تتقدم لوظيفة لا تستجيب لكل متطلباتها فطلبك مرفوض بكل تأكيد. وإنما منحتني حسوب فرصة إثبات إمكانياتي لما رأوا في مدونة توتومينا من محتوى اعتبروه جيدا وربما عكس لهم رغبة لدي واهتماما بتعلم جديد تقنيات تطوير الويب وأنني أستحق أن أعطى الفرصة. أي أن المدونة لعبت دورا تسويقيا كبيرا بالنسبة لي وتم اعتبارها بمثابة CV يتحدث عني.

ولا شك أنه لو شخص آخر اعتمد على مهاراته فقط دون إظهارها لكان خسر فرصته.

الأمر نفسه نراه كثيرًا، فالبعض يرى أن ابراهيم عادل “zamericanenglish” هو أكثر عربي يجيد الانجليزية، وآخر يرى أن أسامه الزيرو هو أفضل مطور ويب عربي، رغم أن الواقع غالبًا ليس كذلك، إلا أن هؤلاء أظهروا ما يعرفونه فصنعوا تلك الصورة في أذهان الكثيرين، أما الآخرون فلم يُظهروا.

نفس الأمر مع أطباء اليوتيوب. رغم أن بعضهم ليس ماهرًا جدًا، إلا أنه من المؤكد أن إظهارهم لمعرفتهم جعلهم يحصلون على فرص (عملاء؟ مرضى؟) أكثر وهذا ما يجعلهم يستمرون.

نقاط متفرقة

  • إن كان صديقك أو قريبك يقوم بتصرفات أو أقوال تُزعجك، أظهر ذلك له من المرة الأولى، لا تقل “هو سيعرف وحده”، فالكثير من المشكلات بين المعارف تحدث حين يكتم أحد الطرفين غضبه من تصرف ما حتى ينفجر ويبتعد تمامًا بعد فترة. ولو أظهر استيائه من المرة الأولى لتم تفادي الأمر.
  • في مجال التسويق والأعمال تبقى المظاهر مهمة جدًا. أذكر في مرة كنت في السوبر ماركت ورغبت في شراء عصير، وجدت نوعين بنفس السعر تقريبًا إلا أنني لم أكن أعرف أي نوع هو الأفضل، انتهى الإمر بأن اشتريت أحدهما لأن كرتونته متينة وشكلها أفضل! وأُراهن أن أي شخص مكاني لا يعرف لكان اعتمد على المظهر أيضًا. نفس الأمر في التسويق الالكتروني، واجهة الموقع أو المتجر وسهولة استخدامه أحيانًا لا تقل أهمية عن المحتوى أو المنتج نفسه.
  • في مجال الكتابة، كثيرًا ما أجد أشخاص يكتبون محتوى جيد جدًا إلا أنهم لا يضعون مسافة بين الفقرات تمامًا (خاصة في مواقع التواصل)، عشرون أو ثلاثون سطرًا متواصلًا دون أي مسافة. كم أتمنى أن أخبرهم أن اهتمامهم بالمضمون فقط دون الظاهر سيجعل الناس يعزفون عن قراءة محتواهم الرائع.
  • الاهتمام بالظاهر يعني الاهتمام بشيئين: مهارات التواصل (كتابةً وتحدثًا) ومهارات التسويق.
  • البعض لا يحصل على أمور يستحقها، وآخر يحصل على أكثر مما يستحق، الأمر يعتمد على الاهتمام بالظاهر.

الخلاصة

شئنا أم أبينا، الناس -بما فيهم أنا وأنت- يحكمون بالظاهر، ويتضمن ذلك مظهرك، طريقة تحدثك، ما تُظهره من معرفتك عملًا وقولًا (وليس ما تحمله في عقلك). إنهم يخمنون أن ما بداخلك ينعكس بخارجك. رغم أن هذا غير صحيح في رأيي، إلا أنه لا يوجد بديل، لا يمكن لأحد أن يتفحص نيتك وما تحمله بداخلك سوى الخالق، ولكن في حياتك الاجتماعية وما يحيط بها من نواحي مهنية ودراسية، فإن الظاهر قد يكون الأكثر أهمية. هذا لا يعني ألا تهتم بالداخل، ولكن إن كان ما بداخلك لا يظهر للخارج بشكل صحيح أو لا يظهر أصلًا، فهو لا يسوى ولا يعني شيئًا عند أي شخص آخر.

البعض أحيانًا يهتم باكتساب المعرفة والمهارات دون أن يتدرب على كيفية اظهارها أو التعبير عنها للعلن، ثم ينزعج حين يرى أشخاص أقل مهارة تأتيهم فرص أفضل. ولكن هذا هو الطبيعي، لم أعد أرى الآن هذا أمرًا مزعجًا أو عجيبًا.

اهتمامك بالداخل (عقلك وقلبك ومعرفتك) سيجعلك تستحق الحصول على شئ ما، أما اهتمامك بالخارج فهو ما سيجعلك تحصل عليه فعليًا. بالطبع، كلاهما يكملان بعضهما.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s