نشرة أكتوبر: حول أهمية المال ولماذا البعض بخلاء جدًا؟

منذ حوالي أسبوعين، مَرِضَ عمّي (شقيق أبي) مرضًا شديدًا؛ أصيب بارتفاع درجة الحرارة مع ارتفاع معدل السكر في الدم 5 أضعاف المعدل الطبيعي، إلى أن أضطر إلى الذهاب للمستشفى.

مكثَ في المستشفى لمدة 10 أيام حتى خرج وبدأ استعادة عافيته. خلال تلك الأيام دفع للمستشفى مبلغًا كبيرًا. إن كنتَ موظف في مصر، ستحتاج للعمل قرابة السنة كاملة مع إدخارها بالكامل لدفع أجر تلك ال10 أيام.

أتخيّل لو أن شخصًا مسؤولًا عن نفسه ولكنه لا يؤمن بأهمية المال، يراه شئ ثانوي بلا أهمية كبيرة، لدرجة أن لم يدّخر مبلغًا جيدًا، ماذا كان سيفعل في موقف كهذا؟

كان سيستدين أموالًا من آخرين، أو ربما يدفع إخوته أو عائلته تلك الأموال بدلًا منه، أو يضطر لعدم الذهاب للمستشفى من الأصل حتى تخور قواه شيئًا فشئ إلى أن يتوفاه الله نتيجة مرض كان يمكن علاجه.

وتلك هي أهمية المال. تُدّخر الأموال لتلك الأهداف النبيلة: ألا تضطر للإستدانة من أحد أموالًا قد يكون بحاجة إليها، وألا تكون عالة على أحد لدرجة أن يدفع أموالًا كان يجب أن تدفعها أنت.

وهنا أهمية الصحة: أن توفر أموالك لأطول فترة ممكنة.

يقول البعض: الأموال لا تشتري السعادة أو الراحة. وأقول: أحسنت، ولكن لمَ تنظر لراحتك ولا تنظر لراحة غيرك؟

في صحتك، يمكن لأموالك أن تساعد الآخرين (أقاربك على الأقل) وقت احتياجهم. وفي مرضك، يمكن لأموالك أن تريح نفسك وأقاربك من عناء الاستدانة، خاصةً وقت المرض.

ولدتُ وسط عائلة مستواها المادي متوسط وربما أقل، وأعيش في منطقة أقرب للشعبية، ولكن لا يجب أن يكون هذا دافعًا للتقليل من شأن المال كما يفعل البعض لتبرير موقفهم.

أنا من الناس الذين كانوا يزدرون المال، لأنه بالفعل قد “لا يشتري” السعادة، بيد أن النظر من هذه الزاوية يعد قصر نظر. اكتساب المال وإدّخار البعض منه له عدة أهداف نبيلة أهم بكثير من مجرد السعادة الشخصية.

المال ليس شرًا، أما اعتباره أهم ما في الوجود فهو أمر آخر.

لماذا البعض بخلاء جدًا؟

تصادف هذا الحدث مع قراءتي لكتاب “سيكولوجية المال: هوس الثراء وأمراض الثروة” لكاتبها د.أكرم زيدان، وهي مِن ضمن كتب سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة في دولة الكويت.

يتحدث هذا الكتاب عن أسباب حب المال والبخل والاكتناز القهري والإسراف القهري والنصب والتهرب الضريبي وغيرها من ناحية نفسية واجتماعية.

ويستعرض خلال الكتاب النظريات النفسية لتلك الأمور بدءًا مِن فرويد والذي كان له نظرية (عظيمة!) تفسر البُخل.

ما سبب البخل يا ترى في نظر فرويد؟

إنه البراز!

يبدأ الأمر حين يكون الطفل في السنة الأولى إلى الثالثة (والتي يسميها المرحلة الشرجية)، حين يريد التبرز، فإن رد فعل والديه مهمة في هذا التوقيت.

إن كان والداه يدعوانه دائمًا إلى حجز البراز ويعاقبانه عند فشله في ذلك، فإن ثمة رسالة ستصل له بأن البراز ثمين وذو قيمة كبيرة ولا يجب أن يتخلى عنه.

حين يكبر، يصبح المال لديه مساويًا للبراز. ببساطة، إنه يتعلّم أن “الشئ الذي معك يجب أن تتمسك به ولا تتركه بسهولة!”.

والعكس بالعكس؛ فإن كان والداه يمدحانه لقدرته على إخراج البراز في الوقت المناسب، فإنه سيصبح مسرفًا مبذرًا، لأنه سيتعلم: “أنني أأخذ مكافأة حين أُخرج ما لديّ”

نظرية عظيمة تستحق الحرق!

فرويد عبقري بلا شك، فأغلب “نظرياته” إما صعبة الإثبات أو غير قابلة للإثبات تمامًا، كالعقل الباطن وتفسير الأحلام. وبالطبع، ما دامت الفكرة غير قابلة للإثبات والتكذيب فهي لا تسمى نظرية علمية.

بعيدًا عن فرويد، لدى علماء التحليل النفسي نظريات حول حُب المال، لماذا يرغب الناس في الحصول على المال؟

هناك أربعة أسباب رئيسية:

1.  الإحساس بالأمن: يظهر ذلك حين يكتنز الفرد الأدوات والصحف والكتب والمجلات القديمة التي لا يحتاجها اعتقادًا منه أنها ستفيده مستقبلًا، وقد يرجع سبب ذلك إلى تجنب الشعور بالوحدة والإنعزال، وكأن تجميع تلك الأشياء يمنحه الشعور بالتفوق والحب.

2. الشعور بالقوة: وذلك من خلال دخول الأسواق والتلاعب في أسعار السوق، أو من خلال استمالة الفقراء ببعض الأموال حتى يكتسب الإحساس بالتقدير والاستقلالية.

3. الحب: من أمثلة ذلك حين يريد رجل أن يتزوج امرأة فييدأ بإظهار أمواله وممتلكاته لها حتى يشتري حبها وتتعلق به. أعتقد أنها طريقة ناجحة في أغلب الأحيان، بيد أن أغلبها ينتهي بالطلاق.

4. الحرية: رغبة البعض في الشعور بالاستقلالية تجعله يرى المال أهم ما في الوجود، فيرغب بإكتناز الكثير من المال حتى لا يضطر مستقبلًا للاعتماد على الآخرين.

بشكل عام، يرى الكاتب أن المال له تأثير على سعادة الفرد، ولكنه بسيط وثانوي، وأن هناك طرق أكثر تأثيرًا على مستوى السعادة، منها العلاقات الطيبة مع الآخرين كمثال.

دورات أتممتها الشهر المنقضي

منذ شهرين، تحصلت على الاشتراك المجاني من موقع لينكد إن، والذي يشمل دورات linkedin learning، أتممت خلالها عدة دورات ومنها:

  • Learning to write marketing copy: في مجال الكتابة الاعلانية. الكورس جيد وفيه مثال عملي، إلا أنني شعرت أن المقدم غير متحمس ويتحدث رغمًا عنه (على الأغلب هددوه بسلاح برتقالي اللون). تقييمي: 6 من 10
  • Learning conversion copywriting: طوال الفترة الماضية كنت أعتقد أن الكتابة الإعلانية تعتمد على الابداع في المقام الأول، إلا أن هذه الدورة علمتني أنها تعتمد على مهارات البحث أكثر من أي شئ اخر. تعلُم مهارات البحث لا يستغرق سوى دقائق أو ساعات قليلة، إلا أنه مفيد بحق، خاصةً في المجالات المتعلقة بالكتابة والتسويق. تقييمي: 8 من 10
  • copywriting for social media و content marketing for social media: أقيم كلاهما 7 من 10
  • أيضًا أتممت دورة اكتساب الثقة من خلال الترويج للذات من منصة مهارات من جوجل، الدورة لا تتخطى 10 دقائق ولكنها ممتعة. ربما الهدف الأول منها هو اقناعك بأن الترويج للذات والتحدث عن الإنجازات لا يعد تباهيًا أو نرجسية، وأن الكثير من الناس يضيّعون فرصًا ثمينة على أنفسهم نتيجة هذا الاعتقاد.

موقع (لتلخيص الكتب؟) بفكرة جديدة

صادفت موقعًا يسمى بيزنساوي يحتوى على دورات تدريبية قائمة على كتاب محدد. بطريقة أخرى، يشرحون كتاب محدد في التسويق/ المبيعات/ ريادة الأعمال في صورة كورس متوسط مدته 3 ساعات، وقد تصل الى 12 ساعة. هذا مفيد لمن يحبذون مشاهدة المحتوى المرئي بدلًا من المكتوب، إنه يشرح كافة أفكار الكتاب تقريبًا.

من تجربتي، كانت هناك بعض العيوب، ومنها أن مقدمي تلك الدورات غير مختصين في المجالات التي يشرحونها، هم فقط يقومون بإلقاء نص مكتوب مسبقًا. ولكن بشكل عام فكرته جيدة. متوسط سعر الدورة الواحدة حوالي 4 دولار، وبعضها لا يتجاوز دولارًا ونصف.

مقاطع فيديو تستحق المشاهد

  • ما هي الأفكار؟ كيف يقوم الدماغ بانتاج أفكار جديدة؟ حديث من tedx يقدمه باحث علم الأعصاب هنينغ بيك. نعلم الآن أن الذكاء الاصطناعي يتطور أسرع من أي وقت مضى، ويمكن أن يستحوذ على الكثير من الوظائف بدلًا من البشر، ولكن هناك وظائف لا يمكنه أن يشغلها، وهي تلك القائمة على الابداع وإنتاج الأفكار. يعتمد الذكاء الاصطناعي على الحصول على البيانات ثم تحليلها ثم الاستنتاج، وإن كان جل اعتمادك على هذا الأسلوب في التفكير (التحليلي)، فإنه يتبقى سنوات قليلة حتى تقول لك الأجهزة “اجلس مكانك، سأقوم بالعمل بدلًا منك دون الحصول على راتب. ابحث عن عمل اخر!”. أما تلك الأعمال التي تعتمد على الابداع، فلا يمكن للتقنيات الحديثة أن تشغلها. فكيف يتم انتاج الأفكار الجديدة؟ هذا هو موضوع المحادثة.
  • ثلاث دلالات على فكر مريض – سادجورو، فيديو أحتاج أن أتذكره دائمًا.

هل تتذكرون معضلة القطار؟ حين تكون قائد قطار فتجد أمامك خمسة أشخاص على القضيب الحديدي، فيكون أمامك إما أن تكمل مسارك وتقتل الخمسة أشخاص أو تغيّر اتجاهك للمسار الثانوي فتقتل شخصًا واحدًا، ماذا ستفعل؟ إن قلت “سأقتل الخمسة فهو مساري الرئيسي” فأنت قد قتلت عددًا كبيرًا، وإن قلت سأذهب للمسار الثانوي وأقتل الشخص، فما ذنب هذا الشخص؟ إن الخمسة أشخاص الاخرين هم المخطئين لبقائهم في المسار الرئيسي أمام القطار.

ظللت لفترة أفكر في هذه المعضلة الأخلاقية، إلى أن وجدت طفلًا عبقريًا يحلها بكل سهولة في 26 ثانية:

أحسنت صنعًا!

سؤال النشرة: كم من المال تحتاج لتقول قد اكتفيت، وأكثر من ذلك لن يفيدني؟

فكرتان اثنتان على ”نشرة أكتوبر: حول أهمية المال ولماذا البعض بخلاء جدًا؟

  1. يا إلهي، دار رأسي وأصررتُ على التفكير قبل أن أعلن هزيمتي أمام طفل، لكن المفاجأة مذهلة 😂
    نشرة مميزة هذه، أظن أن تعليقاتك الشخصية فيها أعطاها لمسة حلوة. بالتوفيق لك

    Liked by 1 person

  2. نشرة غنية بالمعلومات، مشكور جدا مينا🙏😊
    بالنسبة للسؤال ليس هناك سقف محدد لأقول اكتفيت، سأتصدق بالفائض سواء للمؤسسات أو للأفراد، مؤخرا استمعت الى حلقة بودكاست على مستدفر وكان ضيف الحلقة أحد أعضاء جمعية خيرية عالمية واختصاصها في تغطية حاجيات البلدان المتضررة من الكوارث، الجمعية لم تتمكن الى الآن من توفير ثلث الحاجيات المقررة خاصة في دول افريقية رغم المساعدات المقدمة من مختلف انحاء العالم، لذلك لأجل هؤلاء لن أقول اكتفيت.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s